عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
104
اللباب في علوم الكتاب
وقال صاحب « التّحرير » : « حتّى » هنا ليست للغاية ، بل هي ابتداء وخبر وهذا وهم إذ الغاية معنى لا يفارقها . وقوله « بل هي ابتداء وخبر » تسامح في العبارة يريد بل الجملة بعدها ثمّ الجملة التي في هذا المكان ليست ابتداء وخبر ، بل هي جملة فعليّة ، وهي قالوا و « إذا » معموله لها . وممن ذهب إلى أنّها ليست للغاية الواحديّ فإنّه حكى في معنى الآية الكريمة أقوالا ، ثم قال : فعلى هذا القول معنى « حتّى » للانتهاء والغاية وعلى القولين الأوّلين ليست « حتى » في هذه الآية الكريمة للغاية بل هي التي يقع بعدها الجمل وينصرف الكلام بعدها إلى الابتداء ك « أما » و « إذا » ولا تعلق لقوله : « حتّى إذا » بما قبله ، بل هذا ابتداء خبر أخبر عنهم كقوله في ذلك : [ الطويل ] 2461 - فيا عجبا حتّى كليب تسبّني * كأنّ أباها نهشل أو مجاشع « 1 » وهذا غير مرضي منه لمخالفته الجمهور . وقوله « لا تعلّق لها بما قبلها » ممنوع على جميع الأقوال التي ذكرها . والظّاهر أنّها إنما تتعلّق بقوله « يَنالُهُمْ نَصِيبُهُمْ » . فصل في إمالة « حتى » قال الخليل وسيبويه : لا يجوز إمالة « حتى » و « ألّا » و « أمّا » وهذه ألفات ألزمت الفتح لأنّها أواخر حروف جاءت لمعان يفصل بينها وبين أواخر الأسماء التي فيها الألف نحو : حبلى وهدى إلا أن « حتّى » كتبت بالياء لأنّها على أربعة أحرف فأشبهت سكرى ، قال بعض النحويين : لا يجوز إمالة « حتّى » لأنّها حرف لا يتصرف والإمالة ضرب من التصرف . قوله : « يَتَوَفَّوْنَهُمْ » في محلّ نصب على الحال ، وفي المراد بقوله : « رُسُلُنا يَتَوَفَّوْنَهُمْ » قولان : المراد بالرّسل ملك الموت وبقوله : « يَتَوَفَّوْنَهُمْ » يقبضون أرواحهم ؛ لأنّ لفظ الوفاة يفيد هذا المعنى . قال ابن عبّاس : إنّ الملائكة يطالبون بهذه الأشياء عند الموت على سبيل الزّجر والتّوبيخ « 2 » . الثاني : قال الحسن والزّجّاج في أحد قوليه : إنّ هذا لا يكون في الآخرة ومعنى قوله : جاءَتْهُمْ رُسُلُنا يَتَوَفَّوْنَهُمْ أي يتوفون مدتهم عند حشرهم إلى النار بمعنى يستكملون عدتهم حتّى لا ينفلت منهم أحد .
--> ( 1 ) تقدم . ( 2 ) ذكره الرازي في « تفسيره » ( 14 / 59 ) عن ابن عباس .